الغزالي

47

إحياء علوم الدين

فيقدر أن يأكل منه ، إن مس عينا ، أو أذنا ، أو خدا ، وقفت على ذلك . وآكل منه ألوانا عينه لونا ، وأذنه لونا ولسانه لونا وغلصمته لونا ، ودماغه لونا . وأكفى مئونة طبخه . فقد اجتمعت لي فيه مرافق وخرج يوما يريد الخليفة المهدي . فقالت له امرأة من أهله ، مالي عليك إن رجعت بالجائزة ؟ فقال إن أعطيت مائة ألف ، أعطيتك درهما . فأعطى ستين ألفا ، فأعطاها أربعة دوانق . واشترى مرة لحما بدرهم ، فدعاه صديق له ، فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق ، وقال أكره الإسراف وكان للأعمش جار ، وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول ، لو دخلت فأكلت كسرة وملحا ، فيأبى عليه الأعمش . فعرض عليه ذات يوم ، فوافق جوع الأعمش ، فقال سر بنا . فدخل منزله ، فقرب إليه كسرة وملحا . فجاء سائل ، فقال له رب المنزل ، بورك فيك فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك . فلما سأل الثالثة ، قال له اذهب وإلا والله خرجت إليك بالعصا . قال فناداه الأعمش وقال ، اذهب ، ويحك ، فلا والله ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه ، هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح ، فلا والله ما زادني عليهما بيان الإيثار وفضله اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات . فأرفع درجات السخاء الإيثار . وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه . وإنما السخاء عبارة عن بذل ما يحتاج إليه المحتاج ، أو لغير محتاج . والبذل مع الحاجة أشد . وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة ، فالبخل قد ينتهى إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة . فكم من بخيل يمسك المال ويمرض ، فلا يتداوى . ويشتهي الشهوة ، فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا لأكلها . فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة . وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه . فانظر ما بين الرجلين ، فإن الأخلاق عطايا ، يضعها الله حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال * ( ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) * « 1 » وقال النبي صلَّى الله عليه وسلم

--> « 1 » الحشر : 9